السيد عبد الأعلى السبزواري
285
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
ومعنى يلقون أقلامهم ، أي : أن سدنة الهيكل كانوا يتسابقون في كفالتها ، فيلقون أقلامهم ويرمونها ويضربون بها لأخذ النتيجة . والآية المباركة تدلّ على أن القرعة لها دخل في تمييز الحقوق وتعيينها في الواقع . قوله تعالى : أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ . أي : أن النتيجة التي أرادوها من ضرب الأقلام هي تعيين من يكفل مريم ، والجملة تدلّ على أن التكفّل والحنان للوليد كانا في مورد السباق من أوّل ولادة مريم . قوله تعالى : وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ . أي : وما كنت شاهدا نزاعهم وتنافسهم على كفالة مريم حين تراضوا بالقرعة ، وضرب السهام فخرجت باسم زكريا وكانت من نصيبه . والظاهر أن هذا الاختصام والنزاع كان لكفالة مريم من ابتداء الأمر وحين ولادتها . وقيل : ان هذا الاختصام والنزاع كان بعد كبر مريم عليها السّلام وعجز زكريا عن كفالتها ، لأن هذه الجملة ذكرت بعد تعيين الكفيل بالقرعة وتمام قصتها ، فتكونان واقعتين مستقلتين . ولكن ظاهر الآية الشريفة يدفع ذلك ، ولا يضرّ إعادة بعض خصوصيات القصة بعد تمامها ، لفائدة خاصة وهي التثبيت ، ونظير ذلك ما ورد في قصة يوسف عليه السّلام ، فإنه بعد سرد القصة قال تعالى : ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ [ سورة يوسف ، الآية : 102 ] . ويستفاد من الآية الشريفة جواز الاختصام في المسارعة إلى الخير ، والمتيقّن منه ما إذا كان ذلك بمجرّد القول والاحتجاج من دون أن تطرأ عناوين جانبيّة أخرى ، كالهتك والتوهين والإيذاء مثلا . وفي تكرار : وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ للدلالة على أن كلّ واحد من الموردين له الاستقلال في الدلالة على صدق قول الرسول صلّى اللّه عليه وآله وصحة نبوّته ، مع أنه رجل أمي لا يعلم هو وقومه من أخبارهم شيئا ، وعدم ذكرهما في الكتب المتداولة في أهل